ift

د جميل زيدان يكتب: سنة الإمتياز فى الطب البيطري من عبء أكاديمي إلى بوابة للتخصص والتميز المهني

أستاذ الفيروسات والأمراض المعدية – رئيس الجمعية المصرية للصحة الواحدة – عضو اللجنة الوطنية للوبائيات- اكاديمية البحث العلمى والتكنولوجيا – عضو منصة الحوار الوطني بمجلس الوزراء
مع بدء تطبيق النظام الدراسي الجديد الذي يجعل مدة الدراسة للحصول على درجة بكالوريوس الطب البيطري ست سنوات، برزت تساؤلات عديدة بين الطلاب والخريجين وأعضاء هيئة التدريس حول طبيعة سنة الامتياز ودورها الحقيقي في إعداد الطبيب البيطري للمستقبل.

ولا شك أن الهدف من أي تطوير تعليمي يجب ألا يقتصر على زيادة عدد سنوات الدراسة، بل ينبغي أن ينعكس بصورة مباشرة على جودة الخريج وكفاءته المهنية وفرصه في سوق العمل. ومن هنا تبرز أهمية إعادة النظر في فلسفة سنة الامتياز بحيث تتحول من مجرد سنة تدريب تقليدية إلى سنة تأهيل مهني تخصصي تضيف قيمة علمية وعملية حقيقية للطبيب البيطري الشاب.

العالم اليوم يتجه نحو التخصص الدقيق، وأصبحت أسواق العمل المحلية والإقليمية والدولية تبحث عن الكفاءات المتخصصة أكثر من بحثها عن المؤهلات العامة. ولذلك فإن تحويل سنة الامتياز إلى سنة تدريب وتأهيل مهني تخصصي معتمد يمثل خطوة مهمة نحو بناء جيل جديد من الأطباء البيطريين القادرين على المنافسة والإبداع والإنتاج.

ويقوم هذا المقترح على أن يحصل الطالب خلال سنة الامتياز على تدريب عملي مكثف ودراسة تطبيقية تؤهله للحصول على دبلوم مهني تخصصي معتمد إلى جانب درجة البكالوريوس، بحيث يتخرج وهو يمتلك تخصصًا واضحًا وخبرة عملية موثقة تؤهله للانخراط المباشر في سوق العمل.

وتشمل التخصصات المقترحة مجالات يحتاجها سوق العمل بشدة، مثل طب وجراحة الحيوانات الأليفة، وطب الحيوانات الصغيرة، وطب وجراحة الخيول، وطب الحيوانات الكبيرة، والجراحة البيطرية، والتكنولوجيا الحيوية، والتشخيص المعملي، وسلامة الغذاء، والوبائيات البيطرية، والتغذية الإكلينيكية، وإدارة المزارع والإنتاج الحيواني، إضافة إلى برامج متخصصة في مجال الصحة الواحدة.

كما يمكن استحداث مسارات اختيارية تلبي احتياجات قطاعات اقتصادية متنامية، مثل التسويق والدعاية الطبية البيطرية، وإدارة وتسويق المنتجات البيطرية، والتطبيقات المعملية المتقدمة، وريادة الأعمال وإدارة المشروعات البيطرية.

الفائدة المتوقعة من هذا التطوير لا تقتصر على الخريج فقط، بل تمتد إلى المهنة والدولة والمجتمع. فوجود طبيب بيطري متخصص منذ بداية حياته المهنية يعني خدمات بيطرية أكثر كفاءة، وقدرة أكبر على دعم الأمن الغذائي، ومساهمة أكثر فاعلية في حماية الصحة العامة ومكافحة الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان.

كما أن هذا التوجه يتماشى مع رؤية مصر 2030 التي تؤكد أهمية بناء رأس المال البشري وربط التعليم باحتياجات التنمية وسوق العمل، ويعزز تطبيق مفهوم “الصحة الواحدة” الذي أصبح أحد أهم المفاهيم العالمية الحديثة في مواجهة التحديات الصحية والبيئية والغذائية.

ومن الناحية الاقتصادية، فإن استثمار سنة الامتياز في إعداد كوادر متخصصة يحقق عائدًا كبيرًا للمهنة ولسوق العمل، حيث يرفع من فرص التوظيف ويمنح الخريجين ميزة تنافسية حقيقية، بدلاً من أن تظل سنة الامتياز مجرد مرحلة انتقالية لا تترك أثرًا مهنيًا واضحًا.

ومن هذا المنطلق، تبدو الحاجة ملحة إلى فتح حوار وطني تشارك فيه نقابة الأطباء البيطريين وكليات الطب البيطري ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي والهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد، لوضع إطار أكاديمي وتنظيمي موحد لسنة الامتياز التخصصية، مع البدء بتطبيق تجريبي في بعض التخصصات ذات الأولوية مثل سلامة الغذاء، وطب الحيوانات الأليفة، والتشخيص المعملي، وإدارة المزارع والإنتاج الحيواني.

تطوير سنة الامتياز وتحويلها إلى سنة تأهيل مهني تخصصي تمنح دبلوماً مهنياً معتمداً ليس مجرد تعديل إداري أو أكاديمي، بل يمثل رؤية مستقبلية لتطوير المهنة وإعداد أطباء بيطريين أكثر قدرة على خدمة المجتمع ودعم الاقتصاد الوطني والمشاركة الفاعلة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة.

الطبيب البيطري المصري يمتلك من القدرات والكفاءات ما يؤهله للريادة، ويستحق منظومة تعليمية وتدريبية حديثة تفتح أمامه آفاق التخصص والتميز، وتمنحه الأدوات التي تمكنه من المنافسة في عالم يتجه يومًا بعد يوم نحو الاحتراف والتخصص الدقيق.

Comments are closed.