ift

د عمرو حمدي يكتب: الميكروبيوم البشري .. الكائن  الخفي داخل أجسامنا وتأثيره على الصحة والمرض

يُعد الميكروبيوم البشري مجتمعًا معقدًا من الكائنات الدقيقة التي تعيش في أجسامنا، وقد أصبح يُنظر إليه اليوم كشريك حيوي في صحتنا، لا كمسبب للمرض فحسب.

تشير الأبحاث إلى أن عدد الخلايا الميكروبية في الجسم (~38 تريليون) يفوق عدد الخلايا البشرية (~30 تريليون)، ويشكل الميكروبيوم نحو 43% من مجموع خلايا الجسم.

علاوةً على ذلك، يحتوي الميكروبيوم على 2–20 مليون جين، أي ما يفوق الجينوم البشري (20,000–25,000 جين) بعدة أضعاف، مما يبرز دوره الواسع في وظائف الجسم الحيوية مثل من الهضم والمناعة إلى الصحة العقلية والتمثيل الغذائي.

تعريف الميكروبيوم وأهميته

يجب أولاً التمييز بين مصطلحين أساسيين غالباً ما يتم الخلط بينهما:

الميكروبيوم : (Microbiome) يشير إلى المجموعة الكاملة من الجينات التي تمتلكها جميع الكائنات الحية الدقيقة في بيئة معينة.

الميكروبيوتـا (Microbiota): يشير إلى الكائنات الحية الدقيقة نفسها (البكتيريا، الفيروسات، الفطريات، والعتائق ” archaea”)

1. ميكروبيوم الأمعاء (Gut Microbiome)

يُعتبر ميكروبيوم الأمعاء الأكثر كثافة وتأثيراً على صحة الإنسان. تشير الأبحاث الحديثة إلى وجود ما يقارب 100 تريليون بكتيريا في القناة الهضمية، مما يجعلها أكبر تجمع ميكروبي في جسم الإنسان.

الأنواع الرئيسية: مثل Bacteroidetes التي تلعب دوراً مهماً في هضم الكربوهيدرات المعقدة & Firmicutes المسؤولة عن إنتاج الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة & Actinobacteria والتي تشتمل علي البيفيدوبكتيريا النافعة.

2. ميكروبيوم الجلد (Skin Microbiome)

يُمثل الجلد خط الدفاع الأول ضد مسببات الأمراض حيث تختلف تركيبة الميكروبيوم الجلدي حسب المناطق الموجوده بالجلد فمثلا في المناطق الدهنية تهيمن عليها بكتيريا مثل Propionibacterium acnes اما المناطق الجافة فنجد تنوع أكبر في أنواع البكتيريا أما المناطق الرطبة مثل الإبطين، تحتوي على بكتيريا متخصصة.

3. ميكروبيوم الفم (Oral Microbiome)

يُعتبر ثاني أكبر تجمع ميكروبي في الجسم، حيث يحتوي على أكثر من 700 نوع مختلف من البكتيريا. تشير الأبحاث الحديثة إلى وجود صلة قوية بين صحة الفم والأمراض القلبية الوعائية والسكري.

4. مواقع أخرى

 الجهاز التنفسي: ميكروبيوم الأنف والحنجرة والصدر.

 الجهاز التناسلي: خاصة في النساء، حيث تلعب البكتيريا المهبلية دوراً حاسماً في الصحة الإنجابية

الوظائف والفوائد الصحية للميكروبيوم البشري

1. الهضم والتمثيل الغذائي

• إنتاج الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة (SCFAs)

تُنتج البكتيريا المعوية أحماضًا دهنية قصيرة السلسلة ذات وظائف حيوية، أبرزها:

 حمض البوتيريك: يُعد المصدر الرئيسي للطاقة لخلايا القولون، ويُظهر خصائص قوية مضادة للالتهاب.

 حمض البروبيونيك: يساعد في تنظيم مستويات الجلوكوز والكوليسترول في الدم.

 حمض الخليك:(Acetic acid) يسهم في تنظيم الشهية والتمثيل الغذائي العام.

• تفكيك الألياف غير القابلة للهضم:

تمتلك البكتيريا المعوية إنزيمات متخصصة تُعرف بـإنزيمات الكربوهيدرات النشطة ((CAZymes، التي تحلل الألياف المعقدة إلى مكونات قابلة للاستفادة، مما يعزز كفاءة الهضم وصحة الأمعاء.

2. إنتاج الفيتامينات والمركبات النشطة بيولوجياً

يُسهم الميكروبيوم في تصنيع عدد من المركبات الحيوية، منها:

• فيتامين :K ضروري لتخثر الدم وصحة العظام.

• فيتامينات مجموعة :B بما في ذلك B1، B2، B6، B12، والفولات، التي تلعب أدوارًا محورية في إنتاج الطاقة ووظائف الجهاز العصبي.

• الناقلات العصبية: مثل السيروتونين والدوبامين، اللذين يؤثران بشكل مباشر على المزاج والسلوك.

• حمض اللاكتيك: يحافظ على بيئة حمضية في الأمعاء، مما يثبّط نمو البكتيريا الضارة.

3. المناعة والحماية من الأمراض

• تدريب الجهاز المناعي:

وفق دراسة نُشرت عام 2024، يلعب الميكروبيوم دورًا حاسمًا في “تعليم” الجهاز المناعي خلال السنوات الأولى من الحياة، مما يحدد استجابته المستقبلية للعدوى والالتهابات.

• مقاومة الاستعمار المرضي (Colonization Resistance):

تحمي البكتيريا المفيدة الجسم عبر:

 المنافسة مع الميكروبات الضارة على المغذيات والمواقع البنيوية.

 إنتاج مركبات مضادة للبكتيريا (مثل البكتريوسينات).

 تحفيز إفراز المخاط والحفاظ على الحموضة الطبيعية للأمعاء، مما يشكل حاجزًا دفاعيًا فعالًا.

4. محور الأمعاء-الدماغ (Gut-Brain Axis)

يكشف البحث الحديث عن اتصال ديناميكي بين الأمعاء والدماغ عبر آليات عصبية وكيميائية متعددة:

1. العصب المبهم : (Vagus Nerve) ينقل الإشارات من الأمعاء إلى الدماغ، مؤثرًا في المزاج، القلق، والسلوك.

2. إنتاج الناقلات العصبية:

 يُنتج 90% من السيروتونين في الأمعاء.

 تُنتج بكتيريا معوية GABA (حمض جاما-أمينوبيوتيريك)، وهو ناقل عصبي مثبط يقلل القلق والتوتر.

3. تنظيم هرمونات الشبع والتوتر:

 تفرز البكتيريا هرمونات مثل GLP-1 و PYY، التي تؤثر على الشهية والتمثيل الغذائي.

 تتفاعل هذه الإشارات مع محور HPA (المهاد–النخامية–الكظرية)، الذي ينظم استجابة الجسم للإجهاد.

بهذا، يُبرز الميكروبيوم البشري دوره كشريك حيوي في الحفاظ على التوازن الفسيولوجي الشامل—من الجهاز الهضمي إلى الدماغ والمناعة—ما يجعله ركيزة أساسية للصحة الوقائية والعلاجية في الطب الحديث.

مخطط محور الدماغ -الأمعاء

علاقة الميكروبيوم البشري بالأمراض

1. الأمراض الأيضية

 السمنة ومرض السكري من النوع الثاني

كشفت دراسات حديثة (2024) عن ارتباط وثيق بين اختلال توازن الميكروبيوم والسمنة، حيث يظهر لدى الأشخاص البدينين ارتفاع في نسبة بكتيريا Firmicutes مقابل انخفاض في Bacteroidetes

ويُعزى ذلك إلى قدرة بعض السلالات على تحسين كفاءة امتصاص الطاقة من الطعام. وقد أكدت تجارب زراعة الميكروبيوم من فئران سمينة إلى فئران نحيفة حدوث زيادة ملحوظة في وزن الأخيرة، مما يدل على الدور السببي المحتمل للميكروبيوم في تنظيم الوزن والاستقلاب

2. أمراض الجهاز الهضمي

• أمراض الأمعاء الالتهابية (IBD)

يُظهر مرضى التهاب القولون التقرحي ومرض كرون انخفاضًا ملحوظًا في تنوع الميكروبيوم، ونقصًا خاصًّا في البكتيريا المفيدة المنتجة لحمض البوتيريك مثل Faecalibacterium prausnitzii، مع ازدياد غير طبيعي في البكتيريا الالتهابية مثل سلالات E. coli المسببة للأذى المعوي.

• متلازمة القولون العصبي (IBS)

ترتبط هذه الحالة باختلال في حساسية الأمعاء، وخلل في تكوين الغازات المعوية، وضعف في التواصل عبر محور الدماغ –الأمعاء، ما يؤدي إلى أعراض وظيفية مثل الانتفاخ، الألم، والتغير في عادات الأمعاء.

3. الأمراض المناعية والحساسية

• الربو والحساسية

تشير الأبحاث إلى أن الولادة القيصرية التي تقلل من التعرض الأولي للميكروبات المهبلية تزيد من خطر تطور الحساسية والربو. كما يُعد انخفاض تنوع الميكروبيوم في السنوات الأولى من الحياة عامل خطر رئيسي، إذ يُضعف “تدريب” الجهاز المناعي على التمييز بين المؤثرات الضارة وغير الضارة.

4. الأمراض العصبية والنفسية

• الاكتئاب والقلق

يُظهر المرضى المصابون باضطرابات المزاج انخفاضًا في تنوع الميكروبيوم، ونقصًا في البكتيريا المنتجة لحمض البوتيريك (المضاد للالتهاب)، مع زيادة في البكتيريا الالتهابية مثل Proteobacteria، مما يعزز الالتهاب الجهازي المرتبط بالحالة النفسية

• اضطراب طيف التوحد

يختلف تكوين الميكروبيوم لدى الأطفال المصابين بالتوحد مقارنةً بأقرانهم الأصحاء، مع ارتباط واضح بين هذا الاختلاف، اضطرابات الجهاز الهضمي الشائعة، واختلال إنتاج الناقلات العصبية مثل السيروتونين وGABA، ما يشير إلى دور محتمل للميكروبيوم في الجوانب السلوكية والوظيفية للمرض.

العوامل المؤثرة على الميكروبيوم

1. الولادة والرضاعة الطبيعية

أظهرت الأبحاث تأثيراً كبيراً لنوع الولادة على تكوين الميكروبيوم حيث نجد انه في الولادة الطبيعية يتعرض الطفل للبكتيريا المهبلية والأمعية للأم، مما يساعد في بناء ميكروبيوم صحي بينما في الولادة القيصرية يحدث العكس حيث ان نقص التعرض لهذه البكتيريا المفيدة يرتبط بزيادة خطر الحساسية والربو والسمنة. كذلك الرضاعة الطبيعية التي تشجع على نمو بيفيدوبكتيريا والبكتيريا اللبنية النافعة حيث توفر البريبيوتيك (الحليب البشري غني بالسكريات المعقدة) و تساهم في تطوير الجهاز المناعي.

2. النظام الغذائي

 الألياف والبريبيوتيك

وجد أن النظام الغذائي الغني بالألياف يحفز إنتاج البكتيريا النافعة حيث ان الألياف القابلة للذوبان الغنية البريبيوتيك الطبيعية ((prebiotic مثل الموجودة في البصل، الثوم، الموز، والهليون تساعد في نمو البيفيدوبكتيريا واللاكتوباسيلوسBifidobacteria & Lactobacilli كذلك الخمائر الطبيعية (probiotic) مثل تلك الموجودة في الكيمتشي والمخللات.

 النظام الغذائي الغربي

الأنظمة الغذائية المعاصرةالتي تسمي (Fast foods) تحتوي على نسبة عالية من السكر والدهون المشبعة و نسبة منخفضة من الألياف وإضافات غذائية ومكونات معالجة مما يؤدي إلى تقليل تنوع الميكروبيوم وزيادة الالتهاب.

 الصيام المتقطع

أفادت الدراسات إلى أن الصيام المتقطع قد يزيد تنوع الميكروبيوم و يحفز نمو البكتيريا المفيدة وكذلك يحسن وظائف التمثيل الغذائي.

3. المضادات الحيوية

التأثيرات قصيرة المدى تؤدي لانخفاض مؤقت في تنوع البكتيريا وزيادة في البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية مما يتسبب في اضطرابات في وظائف الهضم والمناعة. أما التأثيرات طويلة المدى خاصة في الطفولة المبكرة يرتبط بـزيادة خطر السمنة واضطرابات في الجهاز المناعي و زيادة خطر الحساسية والربو كذلك اضطرابات في الصحة العقلية.

4. نمط الحياة والبيئة

النظافة المفرطة تقليل التعرض للبكتيريا الطبيعية في البيئة مما يأثيرعلى تطوير الجهاز المناعي ويزيد من خطر الأمراض المناعية والحساسية، كذلك التوتر والإجهاد يؤثران على محورالأمعاء-الدماغ (Brain – Gut Axis) مما يزيد من نفاذية الأمعاء (leaky gut) وبالتالي يغير تركيبة الميكروبيوم والذي يرتبط مع الاكتئاب والقلق.

5. النوم

يؤثر إيقاعات الساعة البيولوجية وكذلك اضطراب النوم باختلال الميكروبيوم مما يؤثر على إنتاج الهرمونات والناقلات العصبية.

التطبيقات العلاجية المستقبلية

1. الجيل القادم من البروبيوتيك (Precision Probiotics)

كما تفيد الدراسات بان التخصيص الدقيق يساعد تطوير بروبيوتيك مصممة خصيصاً للمريض و تحليل الميكروبيوم الفردي لاختيار البكتيريا المناسبة كذلك استخدام الذكاء الاصطناعي لتوقع الاستجابة العلاجية.

تشير الأبحاث الحديثة إلى تطوير بروبيوتيك أكثر فعالية، تعتمد على بكتيريا واعدة ذات تأثيرات علاجية موثقة مثل:

• Akkermansia muciniphila التي تُعزز سلامة الحاجز المعوي وتحسّن حساسية الإنسولين.

• Faecalibacteriam prausnitzii منتج رئيسي لحمض البوتيريك وواحد من أقوى البكتيريا ذات التأثير المضاد للالتهاب.

• Eubacterium hallii الذي يُحسّن التمثيل الغذائي ويقلّل الالتهاب.

• Roseburia spp. الذي يساهم في الحفاظ على صحة الغشاء المخاطي المعوي.

التطورات المستقبلية لتعزيز كفاءة الميكروبيوم كفئة جديدة من “الأدوية الميكروبية”

• أنظمة توصيل ذكية: تطوير كبسولات تحتوي على ميكروبيوم نقي مُهندَس قادر على إنتاج أدوية مباشرة داخل الجسم، مدعومة بأنظمة تحكّم دقيقة تنظّم إطلاق العلاج بدقة، لتحسين الامتصاص وتقليل الآثار الجانبية من خلال استهداف ميكروبي دقيق.

• تحسين سلاسل التبريد والنقل: تطوير تقنيات متقدمة لحفظ ونقل الميكروبيوم الحي مع الحفاظ على جدواه الوظيفية واستقراره حتى لحظة الاستخدام.

• توسيع نطاق التطبيقات السريرية: تعزيز البحث في استخدام الأدوية الميكروبية لعلاج أمراض معقدة مثل السرطان، الاضطرابات العصبية (كالزهايمر وباركنسون)، والأمراض المزمنة (كالسكري وأمراض القلب).

• تخصيص المتبرعين: اختيار المتبرعين بناءً على ملامح ميكروبيومهم وملاءمتهم للحالة العلاجية المستهدفة، لتعظيم فعالية زراعة الميكروبيوم.

• هندسة البكتيريا وظيفيًا: استخدام تقنيات التعديل الجيني لبرمجة البكتيريا لإنتاج جزيئات علاجية محددة (كالإنزيمات، الببتيدات، أو جزيئات الإشارة) عند الحاجة.

• استجابة خارجية ذكية: تصميم سلالات بكتيرية قادرة على الاستجابة لمنبهات خارجية (كدرجة الحرارة، الرقم الهيدروجيني، أو مركبات غذائية) لتفعيل وظائفها العلاجية في الوقت والمكان المناسبين.

• تغذية ميكروبية مخصصة: وضع خطط غذائية فردية تدمج أليافًا محددة وبريبايوتك طبيعيًا، أو مركبات مبتكرة صناعيا، لدعم تكوين ميكروبيوم صحي وتعزيز فعالية العلاجات الميكروبية عبر أغذية وظيفية مصممة خصيصًا.

التحديات والقيود الحالية

1. التحديات التقنية

• تحديات التسلسل والتحليل: تتمثّل في التكلفة المرتفعة للتقنيات المتقدمة و الحاجة لكوادر مؤهلة، نظرًا لتعقيد البيانات الناتجة وصعوبة تفسيرها بدقة.

• تحديات زراعة البكتيريا: تكمن في صعوبة زراعة العديد من البكتيريا المعوية خارج الجسم، إذ تفقد كثير منها وظائفها الحيوية في الظروف المخبرية، مما يُعقّد ضمان جودتها واستقرارها وفعالية المنتجات المُعتمدة عليها.

2. التحديات التنظيمية

• الموافقة على العلاجات: يفتقر المجال إلى معايير تنظيمية واضحة وموحّدة للموافقة على العلاجات الميكروبية، مما يُبطئ تطويرها واعتمادها سريريًا.

• تقييم السلامة والفعالية: تواجه العلاجات الجديدة صعوبات في التقييم الدقيق بسبب غياب إطار تنظيمي مخصص يراعي خصوصية الكائنات الحية الدقيقة وتفاعلاتها المعقدة مع المضيف.

• التصنيع والجودة: تبرز الحاجة الماسّة إلى معايير موحدة للإنتاج ومراقبة الجودة، إذ يُعد ضمان استقرار المنتجات الميكروبية وفعاليتها أمرًا بالغ الحساسية ويستدعي بروتوكولات رقابية صارمة.

3. التحديات العلمية

• فهم الآليات البيولوجية: لا يزال هناك حاجة ملحة لفهم أعمق للآليات التي من خلالها تؤثر البكتيريا الميكروبية على وظائف الجسم، بما في ذلك المناعة، الأيض، والصحة العصبية.

• تعقيد التفاعلات الميكروبية: يُشكل تحديد العلاقات السببية بين الكائنات الدقيقة تحديًا كبيرًا نظرًا لتعقيد الشبكات التفاعلية بين مئات الأنواع المختلفة داخل الميكروبيوم.

• التفرد الفردي: يختلف تكوين الميكروبيوم اختلافًا واسعًا بين الأفراد بسبب العوامل الوراثية، البيئية، والغذائية، مما يصعّب تطوير علاجات “مقاس واحد يناسب الجميع”.

• الاتجاه نحو التخصيص: يبرز هذا التنوّع الحاجة الملحة إلى نُهُج علاجية مخصصة، تعتمد على تحليل الميكروبيوم الفردي لضمان الفعالية والسلامة.

الآفاق المستقبلية والتوصيات

أولًا: الاتجاهات المستقبلية

يتجه المستقبل نحو الطب الشخصي القائم على الميكروبيوم، من خلال دمج تحليلات الميكروبيوم في الفحوصات الروتينية، واستخدام الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالمخاطر الصحية، وتصميم خطط علاجية مُخصصة تعتمد على تركيب الميكروبيوم الفردي.

كما تتوسع آفاق العلاج الميكروبي لتشمل أمراضًا معقدة مثل السرطان، الاضطرابات المناعية الذاتية، والأمراض العصبية والتنكسية، فضلًا عن تدخلات وقائية تهدف إلى دعم صحة الأم والجنين.

ثانيًا: توصيات للصحة العامة

ينبغي تعزيز أنماط حياة داعمة لصحة الميكروبيوم، عبر:

• التغذية: تناول 25–35 غرامًا يوميًا من الألياف، وإدراج الأطعمة المخمرة، مع الحد من الأغذية المصنعة والسكريات.

• نمط الحياة: تجنب الاستخدام غير الضروري للمضادات الحيوية، وممارسة الرياضة، والنوم الكافي، وإدارة التوتر، مع زيادة التعرض للبيئة الطبيعية.

• البيئة المحيطة: تقليل النظافة المفرطة، وتشجيع التفاعل المبكر مع الحيوانات الأليفة، وتجنب المبيدات والمواد الكيميائية الضارة.

ثالثًا: توصيات للباحثين والأطباء

من الضروري إدماج علم الميكروبيوم في مناهج التعليم الطبي، وتدريب الأطباء على دوره في الصحة والمرض، إلى جانب إطلاق مبادرات توعوية للجمهور. كما يتعيّن زيادة الاستثمار في بحوث الميكروبيوم، وتطوير تقنيات تحليلية متقدمة، وبناء قواعد بيانات شاملة لفهم التنوع والوظائف الميكروبية على مستوى السكان.

الخاتمة والخلاصة

يمثّل الميكروبيوم البشري ثورة في فهم العلاقة بين الصحة والمرض، إذ لم يعد يُنظر إليه كمجموعة بكتيريا ضارة، بل كـ”عضو منسي” يؤثر في وظائف الجسم كافة. وتُظهر الأبحاث دوره المتنامي في أمراض مزمنة وعصبية مثل السمنة، السكري، الاكتئاب، والسرطان، مما يفتح آفاقًا واعدة لعلاجات شخصية تعتمد على التغذية، البروبيوتيك، وزراعة الميكروبيوم. ومع ذلك، لا يزال فهمنا لهذا النظام المعقد في مراحله الأولى، ويتطلب مزيدًا من التمويل والبحث. في جوهره، يذكّرنا الميكروبيوم بأن صحتنا مرتبطة بنظام بيئي دقيق، ورعايته ليست ترفًا علميًا بل ضرورة صحية للأجيال القادمة.

عن كاتب المقال :

د/ عمرو محمد حمدي
باحث في معهد بحوث الانتاج الحيواني

Comments are closed.