ift

د خالد شوقي يكشف عن طريقة جديدة لتمليح الأسماك إستعدادا لشم النسيم

استاذ ورئيس بحوث صحة وسلامة الأغذية – معهد بحوث الصحة الحيوانية – مركز البحوث الزراعية

 

تعتبر الأسماك من أهم المصادر الغذائية الغنية بالبروتين والفيتامينات والأحماض الدهنية مثل الأوميغا-3 كما تعتبر منتجات الاسماك المُملحة والمخمرة مثل الفسيخ والسردين جزءاً أصيلاً من التراث الغذائي في الثقافة والتراث المصري حيث تتميز هذه المنتجات بخصائص حسية مميزة وفترة حفظ طويلة نتيجة عمليات التمليح والتخمير. الا انها ايضاً تعتبر سريعة التلف بسبب محتواها المرتفع من الرطوبة.

هنا يأتي دور “تمليح الأسماك بالتبريدالسريع” Rapid Chilling Brining (RCB) وهي تقنية تجمع بين الأصالة والحداثة كما انها تعتبر أحد الحلول الحديثة لتحسين جودة الأسماك المملحة وصحة المستهلك وتقليل المخاطر الصحية والبيئية الناتجة عن استخدام طرق التمليح التقليدية فقد نجحت عدة دول مثل اليابان والنرويج في تطبيق هذه التقنية والتي تعتمد على دمج التبريد مع التمليح لتسريع في انتاح تلك النوعية من منتجات الاسماك مع الحفاظ على قيمتها الغذائية.

كما انها توفر في وقت نضج الاسماك مع القليل من الملوحة كما اظهرت هذه التقنية انها تقلل من تكوُّن الهيستامين بنسبة 80% مقارنة بالتمليح التقليدي وايضاً تقلل زمن التصنيع بنسبة 60%  مع انخفاض نسبة الملح المستخدمة بمعدل 40% … فكيف تتم هذه العملية؟ وما فوائدها الصحية؟ دعنا نستكشف ذلك من خلال سرد للمراحل التي تمر بها هذه التقنية الخاصة بصناعة الاسماك المملحة وصولاً للمستهلك

وهنا سوف نتطرق لطريقة التمليح التقليدية ومقارنتها بالطريقة المبتكرة باستخدام محلول الملح مع استخدام التبريد

الطريقة الأولى: التمليح الجاف للأسماك

يعتمد التمليح الجاف على إضافة الملح البلوري مباشرة على السطح الخارجي وداخل التجاويف وبين طبقات الاسماك. مما يخلق ضغطاً اسموزياً يؤدي الى سحب الماء من أنسجة السمك. ونتيجة لزيادة تركيز الملح داخل النسيج يقل او ينخفض النشاط المائي مما يحد من نمو الميكروبات

وما يميز هذه الطريقة انها في المجمل العام:

  • بسيطة ولا تتطلب معدات متقدمة
  • تسرع من عملية التجفيف الأولي
  • إكساب المنتج قواماً متماسكاً ونكهة مركزة
  • شائعة الاستخدام في تصنيع منتجات الاسماك المملحة (الفسيخ – السردين)

     ومن العيوب الشائعة لهذه الطريقة

  • احتمالية توزيع غير متساوٍ للملح
  • حدوث ظاهرة تصلب السطح (Case hardening) التي تعيق اختراق الملح لانسجة بعض الاسماك
  • إمكانية بقاء مناطق ذات نشاط مائي مرتفع تسمح بنمو الميكروبات المسببة للفساد او التسممات الغذائية
  • الاعتماد على درجات حرارة البيئة المحيطة مما قد يزيد من مخاطر الفساد إذا لم يتم التحكم فيها

الطريقة الثانية: التمليح بالمحلول الملحي مع استخدام التبريد السريع Rapid Chilling Brining (RCB)

 

في هذه الطريقة يتم غمر الأسماك في محلول ملحي بتركيز محدد حيث تمر بعدة مراحل كالتالي:-

1- اختيار الأسماك الطازجة:

يفضل ان تكون الاسماك المستخدمة في التمليح بالتبريد طازجة ذات جودة عالية مثل السلمون أو التونة أو الماكريل او الهيرينج او البوري حيث يتم غسلها جيدًا لإزالة الشوائب والدماء مما يقلل نمو البكتيريا وهي ما ينطبق ايضاً على التمليح باسخدام الطريقة التقليدية.

2- التنظيف والتجهيز:

يتم في هذه المرحلة نزع الاحشاء  والخياشيم  ثم تغسل بماء بارد مضاف اليه خل او ليمون بتركيز 3 – 5% م تُقطع الأسماك إلى شرائح أو تُترك كاملة حسب ما يترائي للمنتج ومعرفته لرغبات المستهلكين ثم تجفف بمناشف ورقية لتقليل الرطوبة.

3- تحضير محلول التمليح

أ- يستخدم ملح خشن (ملح بحري أو صخري) ويفضل ان يكون مكرر خالي من المعادن الثقيلة والشوائب وبنسبة 10 – 15% من المحلول الملحي

ب- مع اضافة (0.01%( من نترات الصوديوم لمنع نمو الميكروبات اللاهوائية الضارة المفرزة للسموم المعوية .

ت- كما يتم اضافة القليل من السكر والتوابل لتحسين النكهة

ث- وتضاف تلك المكونات على ماء بارد (4م) مع التحريك لضمان تجانس ذوبان المكونات بالماء

4- التبريد والحفظ:

أ- توضع الاسماك في الاوعية المخصصة على ان تكون محكمة الأغلاق وقد سبق تنظيفها وتطهيرها جيداً

ب- ويضاف اليها محلول التمليح البارد المحضر مسبقاً بحيث يغطي الماء كامل اجزاء الاسماك

  • تحفظ  الأوعية بالثلاجة عند درجة حرارة *0–4°م* لمدة تتراوح بين 14 –  28 يوم حسب حجم السمك المستخدم. مع تقليب المحلول دورياً لضمان توزيع الملح ومن الممكن تغيير المحلول الملحي كل 3 ايام لضمان التوزيع المتجانس للملح وتجديد الاكسوجين المذاب بالاضافة لمنع تراكم الشوائب وتقلل محتوى الهستامين .. علماً بأن البرودة تبطئ نشاط الإنزيمات والبكتيريا بينما يمتص الملح الرطوبة ويكثف ويحسن من النكهة.

5- التجفيف والتعبئة

بعد انقضاء فترة التمليح يتم غسل الأسماك بالماء البارد لإزالة الملح الزائد ثم تُجفف وتُعبأ في أكياس محكمة أو مفرغة من الهواء وتُحفظ في الثلاجة أو الفريزر لإطالة عمر المنتج ومنع التلوث..

المميزات

  • توزيع أكثر تجانساً للملح
  • تحكم أفضل في تركيز الملح
  • تقليل فرص التلوث الموضعي
  • مناسب للتطبيقات الصناعية والمواصفات

لماذا التمليح الجاف أبطأ من حيث الوقت اللازم لتسوية المنتج؟

  • في التمليح الجاف يكون انتقال الملح إلى داخل السمك بفعل الرطوبة الموجودة داخل النسيج فقط مع عدم وجود وسط مائي يساعد على الانتشارمقارنة بالمحلول الملحي
  • لا يوجد محلول يحيط بالسمك لتسريع انتقال الملح لذلك تكون عملية الانتشار (Diffusion) أبطأ.
  • يحتاج الملح وقتًا ليذوب أولًا ثم ينتقل تدريجيًا إلى داخل الأنسجة مقارنة بالمحلول المحتوي على تركيز ملحي منتظم.
  • للاسباب السابقة قد يحتاج التبريد الجاف الى حوالي 6 اسابيع في المتوسط وقد تمتد الى 8 اسابيع بينما التمليح بالمحلول الملحي المدعوم بالتبريد يحتاج الى 2- 4 اسابيع

الأهمية الصحية لتمليح الأسماك بالتبريد 

1- الحفاظ على القيمة الغذائية:

على عكس التمليح التقليدي (بدون تبريد) الذي قد تفقد الاسماك بعض الفيتامينات يساعد التبريد في الحفاظ على الأوميغا-3 وفيتامينات B مثل B12 و D مما يعزز صحة القلب والدماغ.

2- تقليل الاعتماد على المواد الحافظة الصناعية:

يعمل الملح كمادة حافظة طبيعية تمنع نمو الميكروبات الضارة مثل الكلوستريديوم بينما يحد التبريد من الحاجة إلى إضافة مواد كيميائية او يقلل من استخداماتها بكميات لاتذكر.

3- إبطاء التفاعلات الإنزيمية المسببة للفساد

حيث ان انخفاض درجة الحرارة يقلل نشاط الإنزيمات التي تُحلل مكونات السمك وبالتالي يبطئ الفساد ويحافظ على الجودة لفترة أطول

4-  مصدر بروبيوتيك طبيعي (في بعض الأنواع): 

عند تمليح الأسماك باستخدام التبريد المتحكم في درجة حرارته تُنتج بكتيريا حمض اللاكتيك التي تعزز صحة الأمعاء.

5- اختيار صحي قليل السعرات: 

الأسماك المملحة بالتبريد تحتفظ ببروتيناتها عالية الجودة مع سعرات حرارية أقل مما يجعلها مثالية لمرضى السكري ولاعبي الرياضة.

6- سلامة الغذاء المتداول:      safety of handled food

يمنع الملح والتبريد معًا تكوّن السموم الفطرية والبكتيرية ويقللان من خطر التسمم الغذائي مقارنة بالاسماك المملحة بالطرق التقليدية.

عند الجمع بين التبريد والتمليح تتحقق تقنية العوائق(Hurdle Technology) حيث تعمل عدة وسائل حفظ معاً (مثل الملح وانخفاض الحرارة) للحد من فساد لمنتج وتحقيق أمان وجودة أعلى.

5 نصائح ذكية للمستهلكين 

1- اختر أسماكًا طازجة ذات عيون لامعة ورائحة بحرية نقيّة وقوام وقشور متماسكة وخياشيم وردية.

2- تجنب الإفراط في استهلاك الأسماك المملحة إذا كنت تعاني من ارتفاع ضغط الدم واستخدم بدائل قليلة الصوديوم.

3- استخدام ملح نقي خالي من الشوائب لتجنب التلوث بالمعادن الثقيلة.

4-مراقبة البريد بصفة مستمرة حتى لا يؤدي انقطاع التيار الكهربائي الى تلف الاسماك

5-التجفيف الجيد وتعبئة وحفظ الاسماك بعد عملية التمليح

الجدول التالي يوضح المقارنة بين التمليح الجاف والمحلول الملحي بالاضافة الى التبريد

رسم بياني توضح طريقة تمليح الأسماك
رسم بياني توضح طريقة تمليح الأسماك

التوازن بين التراث والمعايير الحديثة

يمثل الحفاظ على الهوية التقليدية للفسيخ مع ضمان سلامته تحدياً مهماً. ويتيح دمج التمليح باستخدام المحلول الملحي مع التبريد المُتحكم فيه:

  • الحفاظ على الخصائص الحسية التقليدية
  • تحسين ثبات وجودة المنتج
  • رفع مستوى الأمان الغذائي
  • توافق مع معايير السلامة الحديثة مثل HACCP

تمليح الأسماك بالتبريد ليس مجرد تقنية لحفظ الاسماك بل تعتبرجسر بين حكمة الأجداد وعلوم التغذية الحديثة. فهو يحول الأسماك إلى وجبة آمنة وغنية  تدعم المناعة وتحارب الأمراض المزمنة. لذا سواء كنتَ طاهيًا مبتدئًا أو مهتمًا بالغذاء الصحي او تريد ان يكون لديك مشروعك الذي يدر عليك عائداً مجزي وفي نفس الوقت يكون لديك منتج عالي الجودة وامن على صحة المستهلك ولا يتسبب في تلوث البيئة فعليك بتجربة هذه الطريقة لتحصد فوائد البحر دون مخاطرة … فباختيارك لهذه التقنية أنت لا تحفظ الغذاء فحسب بل تحفظ صحتك وصحة المستهلكين أيضًا.

Comments are closed.