ift

د هبة حسن تكتب: ماهي حاجة الدواجن للتحصين لمواجهة مرض السالمونيلا ؟

رئيس بحوث – معهد بحوث الصحة الحيوانية – مركز البحوث الزراعية – مصر

الاستراتيجيات المناعية المتكاملة للسيطرة على السالمونيلا في قطعان الجدود والأمهات والبياض.

تُعد بكتيريا السالمونيلا  بمختلف أنماطها المصلية من التحديات التحدي الذي يواجه صناعة الدواجن ، ليس فقط لما تسببه من خسائر اقتصادية مباشرة من استخدام متواصل للمضادات الحيوية كعلاج ، بل لكونها الاهم في ملفات سلامة الغذاء (Food Safety) والتصدير. إن السيطرة على هذا الممرض في قطاعات “الإنتاج طويل المدى” تتطلب فهماً عميقاً لوبائية السالمونيلا والآليات المناعية التي توفرها برامج  العلاج والتحصين.

و تظهر خطورة السالمونيلا في الاونة الاخيرة في عدم استجابتها للعلاج بالمضادات الحيوية اغلب الوقت لظهور المقاومة المتعددة للمضادات الحيوية نتيجة الاستخدام المفرط وغير المنضبط للمضادات في المزارع.

بالاضافة الي عوامل الضراوة و التي تجعل من الصعب السيطرة علي السالمونيلا مثل قدرتها  على بناء غشاء حيوي  (في خطوط المياة و العلافات) يحميها من تأثير المضادات الحيوية والمطهرات، مما يفسر فشل العلاج وتكرار الإصابة في نفس القطيع حتى بعد استخدام أقوى المضادات  الحيوية , بالاضافة الي  قدرتها على الهروب داخل الخلايا المناعية (Macrophages) تجعل وصول المضاد الحيوي بتركيز قاتل للبكتيريا أمراً صعباً جداً

تنقسم السالمونيلا في مزارع الدواجن إلى مجموعتين رئيستين:

الأنواع المتخصصة (Host-specific): مثل S. Gallinarum و S. Pullorum. تسبب أمراضاً حادة ونسب نفوق عالية، وتكمن خطورتها في قدرتها العالية على الانتقال الرأسي (Vertical Transmission)..

الأنواع غير المتخصصة (Zoonotic Salmonella): nonspecific host  مثل   S. Enteritidis و             S. Typhimurium.  تكمن خطورتها في قدرتها على استعمار الجهاز الهضمي والنسيج الليمفاوي دون أعراض ظاهرة ، مما يجعل الطيور “حاملاً مزمنًا” يلوث البيئة والمنتجات النهائية (البيض واللحم).

يعتمد نجاح التحصين في قطاع الجدود والأمهات على تفعيل ثلاثة محاور مناعية متكاملة:

المناعة المحلية والمخاطية (Mucosal Immunity): يتم تحفيزها بشكل أساسي عبر اللقاحات الحية المضعفة التي تُعطى عن طريق الرش أو مياه الشرب. تعمل على تنشيط الخلايا الليمفاوية في غدد “بايير” (Peyer’s patches) وإفراز الأجسام المضادة من نوع IgA، مما يمنع التصاق البكتيريا بمستقبلات الأمعاء .

المناعة الخلوية (Cell-Mediated Immunity): تلعب الخلايا المناعية نوع (T-cells)  دوراً محورياً في القضاء على البكتيريا التي نجحت في اختراق الحاجز المعوي واستقرت داخل الخلايا المناعة  (Macrophages).

المناعة في الدم  (Humoral Immunity): تحفزها اللقاحات الميتة (Inactivated) لإنتاج مستويات عالية من IgY في الدم، والتي تنتقل لاحقاً إلى صفار البيض لتوفير حماية سلبية (Passive Protection) للكتاكيت الفاقسة، وتقليل الحمل البكتيري في المبيض وقناة البيض.

لماذا السالمونيلا “معقدة” مناعياً؟

السالمونيلا بكتيريا “ذكية” لأنها اختيارية التواجد داخل الخلايا (Facultative Intracellular). هذا يعني أنها بمجرد دخولها جسم الطائر، تختبئ داخل الخلايا المناعية (Macrophages)، مما يجعل الأجسام المضادة الموجودة في الدم غير قادرة على الوصول إليها بمفردها. لذلك، نحن بحاجة لبرنامج تحصين “مزدوج التأثير”.

 الأسلحة المناعية: كيف نختار اللقاح؟

أ. اللقاحات الحية (Live Vaccines)

تُعطى عادة في الأعمار الصغيرة و غالبا ما تكون من خلال الاستخدام في مياة الشرب و  الأكثر شيوعاً في برامج الشركات:

 يوم أول

 6–8 أسابيع

 أحياناً 12–14 أسبوع

تحفز إفراز IgA المخاطي في الأمعاء، وهو السد المنيع الذي يمنع البكتيريا من عبور الجدار المعوي إلى الدم.

اللقاح الحي قد يساهم جزئياً في تقليل الاستعمار المعوي، لكن تأثيره الأساسي مناعي.

ب. اللقاحات الميتة/الزيتية (Killed/Inactivated)

تُعطى بالحقن قبل بدء مرحلة الإنتاج (عمر 16-18 أسبوعاً).

آلية العمل: تحفز إنتاج كميات هائلة من الأجسام المضادة (IgY) في دم الأم

هذه الأجسام المضادة هي التي تنتقل إلى “صفار البيضة” لتحمي الكتكوت  في أيامه الأولى، كما أنها تحمي المبيض وقناة البيض من التلوث، مما يقلل الانتقال الرأسي للعدوى .( لكن تأثيرها الأساسي هو:تقليل الاستعمار المبكروليس منع العدوى بالكامل.)

اللقاحات الحية هي الوحيدة القادرة بفعالية على تحفيز خلايا T القاتلة (CD8+) و خلايا T المساعدة (Th1)، وهي المسؤولة عن إفراز (الإنترفيرون جاما) الذي ينشط الماكروفاج لقتل السالمونيلا المختبئة داخلها. اللقاحات الميتة ضعيفة جداً في هذا المسار، وكان يجب إبراز هذه الميزة للقاح الحي كسبب رئيسي لا يمكن الاستغناء عنه

ولضمان أعلى حماية لقطعان الجدود والأمهات، يُفضل الدمج بينهما كالآتي: يتم تأسيس مناعة قطيع الجدود والأمهات من خلال إعطاء لقاح حي (رش أو تقطير) في عمر يوم لتأمين حماية معوية مبكرة، ثم تعزيزها بجرعة لقاح حي ثانية (مياه شرب) ما بين الأسبوع السادس والثامن لرفع المناعة الخلوية، وصولاً إلى التحصين بلقاح مقتول (حقن عضلي) في الأسبوع السادس عشر إلى الثامن عشر لضمان مستويات عالية من الأجسام المضادة التي تحمي الأم وتنتقل للكتاكيت.

وبصفة عامة تُعد العلاقة بين الأمن الحيوي (Biosecurity) وبرامج التحصين علاقة “تكاملية” وليست “بديلة”، حيث يعمل اللقاح على رفع الكفاءة المناعية الفردية للطائر، بينما يعمل الأمن الحيوي على خفض الضغط الميكروبي (Infection Pressure) في بيئة المزرعة. فبدون تطبيق إجراءات صارمة للسيطرة على القوارض والحشرات (التي تُعد المستودع الطبيعي الأخطر للسالمونيلا) وضمان سلامة العلف والمياه، قد تتعرض مناعة الطائر المحصن لعملية “اختراق” (Immune Breakthrough) نتيجة التعرض لجرعات بكتيرية هائلة تفوق قدرة الجهاز المناعي. لذا، فإن الدور المحوري للأمن الحيوي يكمن في الحفاظ على فاعلية اللقاح من خلال كسر دورة العدوى الخارجية، مما يسمح للقاح بتقليل “طرح البكتيريا” (Shedding) ومنع انتشارها داخل القطيع، وبذلك يتم الحصول على أقصى عائد مناعي واقتصادي من برنامج التحصين المتبع

كما ان السالمونيلا تنتقل ميكانيكياً عبر الأحذية والمعدات. كما أن “تلوث العلف بالبروتين الحيواني” أو سوء تخزين الحبوب يعد مصدراً رئيسياً. العلم الحديث يركز الآن على “إضافات الأعلاف” (الأحماض العضوية، البروبايوتك) كجزء لا يتجزأ من الاستراتيجية المناعية لتقليل الحمل البكتيري الواصل للأمعاء.

4. نصائح الاستخدام التحصينات بصفة خاصة

1. عند استخدام اللقاح الحي، يجب التوقف عن استخدام أي مضادات حيوية تؤثر على السالمونيلا قبل التحصين بـ 3 أيام وبعده بـ 3 أيام، وإلا ستقتل بكتيريا اللقاح وتفقد مفعولها.

2. في اللقاحات الميتة، تأكد من درجة حرارة اللقاح (درجة الغرفة) لتجنب الصدمة الحرارية للطائر وتقليل التفاعلات الموضعية  مكان الحقن.

3. هناك “فجوة” قد تحدث بين تلاشي المناعة الأمية (المستمدة من الأم) وبدء تكوين المناعة النشطة من اللقاح. الدراسات الحديثة توصي ببرامج مكثفة في أول 3 أسابيع لضمان عدم وجود نافذة تسمح للسلالات الحقلية بالتواجد (Colonization).

فبالتالي من مزايا استخدام التحصينات انه يقلل من ظهور “العدوى الثانوية” ، مما يقلل الحاجة لاستخدام المضادات الحيوية. هذا لا يحمي المستهلك للدواحن و منتجاتها فقط  ، بل يحافظ أيضاً على حساسية البكتيريا للمضادات الحيوية المتاحة لاستخدامها في الحالات الطارئة.

تعتمد الحماية (Cross-protection) على التشابه في سطح Salmonella، خصوصاً المستضدات الجسمية (O-antigens). فعند تحصين الدواجن بلقاح يحتوي على Salmonella Enteritidis من المجموعة المصلية D1، تتكوّن استجابة مناعية يمكن أن تعطي درجة من الحماية جزئية و ليست كاملة أيضاً ضد سلالات قريبة مثل Salmonella Gallinarum و Salmonella Pullorum لأنها تشترك في نفس الخواص .لذلك قد يساعد لقاح واحد في تقليل العدوى والنفوق وانتقال البكتيريا عبر البيض، مع تقليل الحاجة إلى استخدام عدة لقاحات مختلفة.

Comments are closed.